من هـو الذي عنده علم من الكتـاب في قوله تعالي: قال الذي عنده علم من الكتاب أنا آتيك به قبل أن يرتـد إليك طرفك ؟

لمحة نيوز

وهذا الأسلوب القرآني يحمل درسًا مهمًا؛ فالقرآن لا يهتم دائمًا بذكر اسم الشخص إذا لم يكن الاسم هو المقصود الأساسي من القصة، وإنما يركز على العبرة والهداية.

هل المقصود بالكتاب القرآن الكريم؟

ليس من الضروري أن يكون المقصود بالكتاب في هذه الآية هو القرآن الكريم؛ لأن قصة سليمان عليه السلام كانت قبل نزول القرآن بقرون طويلة.

ولهذا ذكر المفسرون أقوالًا متعددة في معنى الكتاب، ومنهم من قال إن المراد كتاب من الكتب التي أنزلها الله، أو العلم الذي أعطاه الله لذلك الرجل.

والأهم أن الله تعالى هو مصدر هذا العلم، وأن الإنسان مهما بلغ علمه وقدرته فإنه لا يخرج عن مشيئة الله وقدرته.

كيف جاء العرش بهذه السرعة؟

الآية تقول إن الرجل قال لسليمان عليه السلام: ﴿أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾.

ثم قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِندَهُ﴾، أي إن سليمان عليه السلام وجد العرش حاضرًا أمامه.

وهذا من خوارق العادات التي أظهرها الله في قصة سليمان عليه السلام. ولا ينبغي أن نقيس هذه الحادثة على قدرات البشر المعتادة، لأن الله سبحانه وتعالى على كل شيء قدير.

كما أن الآية لا تعطينا تفاصيل الطريقة التي تم بها نقل العرش، ولذلك لا يصح أن نجزم بتفاصيل لم يذكرها القرآن ولم يثبت بها حديث صحيح.

أهم درس في القصة

من أعظم الدروس في هذه الآية أن العلم الحقيقي ينبغي أن يقود إلى التواضع والشكر، لا إلى الغرور.

فبعد أن رأى سليمان عليه السلام العرش أمامه، لم يقل: أنا صاحب القوة والملك، ولم ينسب الأمر إلى نفسه، وإنما قال: ﴿هَٰذَا مِن فَضْلِ رَبِّي﴾.

ثم قال: ﴿لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ﴾.

وهذا يعلمنا أن النعم اختبار من الله. فإذا أعطى الله الإنسان علمًا أو مالًا أو قوة أو منصبًا أو موهبة، فعليه أن يتذكر أن هذه النعمة فضل من الله، وأن الواجب عليه أن يشكر الله ويستخدمها فيما يرضيه.

الخلاصة

إن الشخص الذي قال: ﴿أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ هو رجل من أتباع سليمان عليه السلام، وصفه الله تعالى بقوله: ﴿الَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ الْكِتَابِ﴾.

وقد اشتهر في كتب التفسير أن اسمه آصف بن برخيا، وأنه كان من خاصّة سليمان عليه السلام، لكن هذا الاسم لم يثبت بنص صحيح صريح عن النبي ﷺ، ولذلك لا يصح الجزم بأنه هو المقصود إلا على سبيل نقل القول المشهور عند بعض أهل التفسير.

والعبرة الأساسية في الآية ليست معرفة الاسم فقط، وإنما فهم أن الله سبحانه وتعالى هو صاحب القدرة والفضل، وأن العلم نعمة من الله، وأن الإنسان مهما بلغ من العلم والقوة لا ينبغي أن يغتر بنفسه.

ولهذا ختم سليمان عليه السلام كلامه بقوله: ﴿هَٰذَا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ﴾.

وهكذا تعلمنا قصة الرجل الذي عنده علم من الكتاب أن العلم إذا صاحبه الإيمان والتواضع أصبح سببًا للخير، وأن النعم مهما عظمت فهي من فضل الله، وأن أعظم ما يفعله الإنسان عند حصول النعمة أن يشكر المنعم سبحانه وتعالى، ويستخدم ما أعطاه الله فيما يرضيه وينفع الناس.

تم نسخ الرابط