من هـو الذي عنده علم من الكتـاب في قوله تعالي: قال الذي عنده علم من الكتاب أنا آتيك به قبل أن يرتـد إليك طرفك ؟

لمحة نيوز

من هو الذي عنده علم من الكتاب؟

قال الله تعالى في سورة النمل، في قصة نبي الله سليمان عليه السلام مع ملكة سبأ: ﴿قَالَ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ ۝ قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ ۝ قَالَ الَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ [النمل: 38-40].

هذه الآيات من الآيات العظيمة التي تروي جانبًا من قصة سليمان عليه السلام، وتبين ما آتاه الله من الملك والعلم والقدرة، وما سخّره له من الجن والإنس والطير. ومن أكثر الأمور التي أثارت اهتمام المفسرين والعلماء في هذه القصة: من هو الشخص الذي وصفه الله تعالى بأنه ﴿عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ الْكِتَابِ﴾، وكيف استطاع أن يأتي بعرش ملكة سبأ في هذا الزمن القصير؟

قصة عرش ملكة سبأ

كان سليمان عليه السلام نبيًا وملكًا، وقد أعطاه الله تعالى ملكًا عظيمًا لم يعطه لأحد من بعده. ومن جملة ما سخّره الله له الجن والريح والطير، وكان يفهم كلام الطير والحيوانات.

وقد جاء في سورة النمل أن سليمان عليه السلام تفقد الطير، فلم يجد الهدهد، ثم جاء الهدهد بعد ذلك بخبر عظيم، وهو وجود قوم في سبأ تحكمهم امرأة، وأنهم يسجدون للشمس من دون الله.

فأرسل سليمان عليه السلام كتابًا إلى ملكة سبأ يدعوها وقومها إلى عبادة الله وحده. وبعد أحداث عديدة، قررت ملكة سبأ أن تأتي إلى سليمان عليه السلام.

وعندما علم سليمان عليه السلام بقرب وصولها، أراد أن يريها آية من آيات الله، فقال لمن حوله: ﴿يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾.

فقال عفريت من الجن إنه يستطيع أن يأتي بالعرش قبل أن يقوم سليمان من مقامه، ثم قال رجل آخر: ﴿أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾.

أي أنه يستطيع إحضار العرش في مدة بالغة السرعة، حتى إن الأمر يحدث قبل أن يعود بصر سليمان إليه بعد أن ينظر إلى الشيء.

من هو هذا الرجل؟

هنا وقع اختلاف بين أهل التفسير في تحديد هوية هذا الرجل.

وأشهر الأقوال التي ذكرها المفسرون أنه آصف بن برخيا، وكان من خاصّة سليمان عليه السلام، وقيل إنه كان كاتبًا له، وقيل إنه كان رجلًا صالحًا عنده علم من الكتاب.

لكن ينبغي التنبيه إلى أمر مهم جدًا: القرآن الكريم لم يسمِّ هذا الرجل، ولم يقل إنه آصف بن برخيا، كما أن تعيينه بهذا الاسم لم يثبت عن النبي ﷺ في حديث صحيح صريح.

ولهذا فإن الأدق عند الحديث عن الآية أن نقول: إن الله تعالى أخبرنا بوجود رجل عنده علم من الكتاب، أما اسمه فمما اختلف فيه المفسرون والرواة.

ما معنى «علم من الكتاب»؟

قال تعالى: ﴿قَالَ الَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ الْكِتَابِ﴾.

وهذه العبارة تدل على أن هذا الرجل كان عنده علم من كتاب الله أو علم من جنس الكتاب الذي آتاه الله لسليمان عليه السلام، وقد اختلف العلماء في تحديد المقصود بهذا العلم.

وقد ذكر بعض أهل التفسير أن المقصود علم خاص من كتاب الله، وأن الله تعالى أكرمه بمعرفة اسم من أسماء الله أو دعاء استجاب الله له، فكان إحضار العرش بإذن الله وقدرته.

لكن المهم هو أن القدرة الحقيقية ليست قدرة الرجل نفسه استقلالًا، وإنما هي قدرة منحها الله له.

وهذا واضح جدًا من نهاية الآية، حيث قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِندَهُ قَالَ هَٰذَا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ﴾.

فلم ينسب سليمان عليه السلام هذه المعجزة أو الكرامة إلى قوة بشرية مستقلة، وإنما نسب الفضل إلى الله سبحانه وتعالى.

هل كان الرجل نبيًا؟

اختلف العلماء أيضًا في هذه المسألة: هل كان هذا الرجل نبيًا أم رجلًا صالحًا من أتباع سليمان عليه السلام؟

ولم يرد في القرآن نص صريح يحدد ذلك، ولذلك لا ينبغي الجزم بما لم يثبت بدليل.

والأقرب في تناول المسألة أن نقول إن الله وصفه بالعلم، فقال: ﴿الَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ الْكِتَابِ﴾، ولم يذكر لنا اسمه ولا مرتبته بالتحديد.

تم نسخ الرابط