هل يجوز هجر الأقارب المؤذيين

لمحة نيوز

ومن صور الأذى التي قد تصدر من بعض الأقارب: الإهانة المستمرة، أو نشر الشائعات، أو التدخل في الحياة الخاصة، أو الاستغلال المالي، أو إثارة المشكلات والخلافات، أو ممارسة العنف اللفظي أو الجسدي. وفي مثل هذه الحالات، يكون من الحكمة البحث أولًا عن وسائل الإصلاح، مثل الحوار الهادئ، أو الاستعانة بأحد أفراد الأسرة المعروفين بالحكمة، أو محاولة توضيح أسباب الخلاف بطريقة محترمة.

فإذا لم تنجح محاولات الإصلاح، واستمر الأذى دون توقف، جاز للإنسان أن يقلل من التواصل مع القريب المؤذي بالقدر الذي يمنع الضرر، دون أن يكون هدفه الانتقام أو الظلم. فقد يكتفي بالسلام، أو السؤال في المناسبات، أو التواصل عند الحاجة، مع تجنب المجالس التي يكثر فيها النزاع والإساءة. وبهذا يجمع بين المحافظة على أصل صلة الرحم وبين حماية نفسه من الأذى.

ولا ينبغي أن يتحول تقليل التواصل إلى قطيعة دائمة بسبب خلافات بسيطة أو مشكلات يمكن حلها بالحوار والتسامح. فكثير من النزاعات العائلية تنشأ من سوء الفهم أو الغضب المؤقت، ثم تزول مع مرور الوقت إذا تحلى الجميع بالحكمة والصبر. لذلك ينبغي التمييز بين الخلاف العابر وبين الأذى المتكرر الذي لا يتوقف.

كما أن العفو والتسامح من الأخلاق الرفيعة التي دعا إليها الإسلام، ولهما أثر كبير في تهدئة النفوس وإصلاح العلاقات. لكن العفو لا يعني قبول الظلم أو السكوت عن الاعتداء، وإنما يعني التخلي عن الرغبة في الانتقام مع اتخاذ الأسباب المشروعة لحماية النفس والحقوق.

ومن المهم أيضًا أن يحرص الإنسان على ألا يقابل الإساءة بإساءة مثلها، بل يحافظ على أخلاقه واحترامه لنفسه ولغيره، لأن حسن الخلق من أعظم أسباب كسب الأجر ونشر المحبة. وإذا اضطر إلى الابتعاد عن بعض الأقارب، فليكن ذلك بهدوء ودون تشهير أو إساءة أو تحريض للآخرين.

وفي بعض الحالات، يكون الرجوع إلى أهل العلم أو المستشارين الأسريين مفيدًا، خاصة إذا كانت المشكلات معقدة أو تؤثر في استقرار الأسرة. فقد تساعد النصيحة المتخصصة على إيجاد حلول تحقق الإصلاح وتحفظ الحقوق في الوقت نفسه.

وفي الختام، فإن الإسلام يجمع بين الرحمة والعدل؛ فهو يدعو إلى صلة الرحم والإحسان إلى الأقارب، لكنه لا يفرض على الإنسان أن يتحمل الأذى المستمر دون حماية لنفسه. لذلك، إذا كان القريب مؤذيًا ولم تنجح محاولات الإصلاح، جاز تقليل التواصل معه بالقدر الذي يدفع الضرر، مع الحفاظ على الحد الأدنى من صلة الرحم إذا أمكن، والحرص على عدم الظلم أو الإساءة. وهكذا يوازن المسلم بين أداء حق الأقارب والمحافظة على كرامته وسلامته النفسية، بما يحقق مقاصد الشريعة في نشر الخير، وحماية الإنسان، وتقوية الروابط الأسرية على أسس من الاحترام والرحمة.

تم نسخ الرابط