من هو أول من أذن في السماء
من هو أول من أذَّن في السماء؟
من الأسئلة التي تتكرر كثيرًا: من هو أول من أذَّن في السماء؟ وهل المقصود بالأذان هنا الأذان المعروف الذي ينادى به للصلاة؟ ومن أول من نادى الناس إلى الحج؟ وهل هناك علاقة بين الأذان الذي نسمعه اليوم وبين نداء إبراهيم عليه السلام؟
هذا السؤال يحتاج إلى شيء من الدقة؛ لأن هناك أقوالًا منتشرة على مواقع التواصل تخلط بين نداء إبراهيم عليه السلام للحج، وبين الأذان الذي شُرع للصلاة في المدينة المنورة. ولذلك من المهم أن نفرق بين الأمرين، وأن ننسب كل قول إلى دليله الصحيح.
أولًا: من هو أول من أذَّن في السماء؟
إذا كان المقصود بعبارة "أول من أذَّن في السماء" الشخص الذي نادى بالحج بأمر الله، فالمقصود هو النبي إبراهيم عليه السلام.
فقد أمر الله تعالى إبراهيم عليه السلام أن ينادي الناس بالحج، فقال سبحانه:
﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ [الحج: 27].
أي أن الله تعالى أمر إبراهيم عليه السلام أن ينادي في الناس بالحج.
لكن من المهم ألا نقول إن الآية نصت على أن إبراهيم عليه السلام "أول من أذَّن في السماء"؛ فهذا التعبير ليس هو لفظ القرآن.
والأدق أن نقول:
إبراهيم عليه السلام هو الذي أمره الله أن يؤذن في الناس بالحج، أي يناديهم ويدعوهم إليه.
كيف نادى إبراهيم عليه السلام بالحج؟
تذكر كتب التفسير روايات في كيفية وصول نداء إبراهيم عليه السلام إلى الناس، ومن أشهر ما يُذكر أن إبراهيم عليه السلام قال: يا رب، كيف أبلغ الناس وصوتي لا يصل إليهم؟ فقيل له أن ينادي، وأن على الله البلاغ.
وقد ذكر المفسرون أخبارًا في هذا الباب، لكن ينبغي الحذر من الجزم بكل التفاصيل التي تروى؛ لأن بعض الروايات لا تثبت بإسناد صحيح.
أما الأصل الثابت بالقرآن فهو أن الله سبحانه وتعالى أمر إبراهيم عليه السلام أن يؤذن في الناس بالحج.
ثم أخبر الله تعالى أن الناس سيأتون إلى البيت الحرام من أماكن مختلفة:
﴿يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾.
وهذا من أعظم مظاهر قدرة الله تعالى؛ فبعد مرور آلاف السنين ما زال المسلمون يأتون إلى مكة من كل أنحاء العالم لأداء فريضة الحج.
هل المقصود أن إبراهيم أذَّن للصلاة؟
لا.
وهنا يقع الخلط عند كثير من الناس.
الأذان الذي نعرفه اليوم، والذي يتضمن:
الله أكبر، الله أكبر... أشهد أن لا إله إلا الله...
هو الأذان الذي شُرع للإعلام بدخول وقت الصلاة، وقد شرعه الله لهذه الأمة في عهد النبي محمد ﷺ.
أما إبراهيم عليه السلام فقد أمره الله بـ الأذان في الناس بالحج، أي المناداة والدعوة إلى الحج.
إذن هناك فرق بين:
الأذان للحج، الذي أمر الله به إبراهيم عليه السلام.
والأذان للصلاة، الذي شُرع للنبي محمد ﷺ وأمته.
من أول من أذَّن للصلاة؟
أما بالنسبة للأذان المعروف للصلاة، فقد ثبت في السنة أن عبد الله بن زيد رضي الله عنه رأى في المنام رجلًا يعلمه كلمات الأذان، ثم أخبر النبي ﷺ بما رأى.
وقد جاء في الحديث أن النبي ﷺ قال له:
«إنها لرؤيا حق إن شاء الله، فقم مع بلال فألقها عليه فليؤذن بها، فإنه أندى صوتًا منك».
فكان بلال بن رباح رضي الله عنه أول من أذَّن بهذا الأذان على وجه الاعتماد في المدينة، بأمر النبي ﷺ.
ولهذا عندما يُسأل: من أول مؤذن في الإسلام؟ فالإجابة المشهورة الصحيحة هي:
بلال بن رباح رضي الله عنه.
أما إذا كان السؤال عن أول من أمره الله بالنداء بالحج، فهو:
إبراهيم عليه السلام.
وهنا يظهر الفرق بين السؤالين.
لماذا أمر الله إبراهيم بالنداء بالحج؟
الحج عبادة عظيمة، وقد جعل الله تعالى البيت الحرام مقصدًا للناس.
قال سبحانه:
﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: 97].
وقد أمر الله إبراهيم عليه السلام برفع قواعد البيت مع ابنه إسماعيل عليه السلام.
قال تعالى:
﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة: 127].
وبعد أن اكتمل بناء البيت، جاء الأمر الإلهي لإبراهيم عليه السلام أن ينادي الناس بالحج.
فكان ذلك النداء بداية إعلان عالمي لفريضة الحج.
لماذا قال الله: "في الناس"؟
قال تعالى:
﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ﴾.
أي أعلن في الناس ودعهم إلى الحج.
وهذا التعبير يحمل معنى عظيمًا، لأن الحج ليس عبادة خاصة بقوم أو قبيلة أو بلد، وإنما هو عبادة للناس الذين يستطيعون الوصول إلى البيت وأداء الفريضة.
ولهذا نرى في موسم الحج اجتماع المسلمين من مختلف البلاد واللغات والألوان والأجناس في مكان واحد.
وهذا يحقق معنى عظيمًا من معاني الإسلام، وهو أن التفاضل الحقيقي ليس بالمال أو اللون أو الجنسية، وإنما بالتقوى.
قال الله تعالى:
﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: 13].
"يأتوك رجالًا وعلى كل ضامر"
بعد أن أمر الله إبراهيم عليه السلام بالنداء بالحج، قال:
﴿يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٍ﴾.
والضامر هو البعير الذي هزل من كثرة السفر.
وهذا التعبير القرآني يصور لنا كيف كان الحجاج قديمًا يقطعون مسافات طويلة للوصول إلى مكة.
أما اليوم، فقد أصبح الوصول إلى مكة أسهل بكثير بسبب وسائل النقل الحديثة، ولكن المعنى ما زال قائمًا: يأتي الناس إلى بيت الله من أماكن بعيدة استجابة لنداء الحج.
"من كل فج عميق"
قال تعالى: