كم مرة اقسم الله عزوجل بنفسه في القرآن الكريم ؟

لمحة نيوز

كم مرة أقسم الله عز وجل بنفسه في القرآن الكريم؟

يُعد القسم في القرآن الكريم من الأساليب البليغة التي تلفت انتباه القارئ إلى أمر عظيم يريد الله تعالى تأكيده وبيانه. وقد جاء القسم في مواضع كثيرة من كتاب الله، فأقسم سبحانه ببعض مخلوقاته، مثل الشمس والليل والفجر والتين والزيتون، وأقسم كذلك بذاته وربوبيته في عدد من الآيات.

ومن الأسئلة التي يكثر تداولها: كم مرة أقسم الله عز وجل بنفسه في القرآن الكريم؟
والجواب المشهور عند عدد من علماء علوم القرآن أن الله تعالى أقسم بنفسه في سبعة مواضع، بينما عدَّ بعض أهل العلم موضعًا ثامنًا، وهو قوله تعالى: ﴿فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ﴾ [الذاريات: 23]. ولذلك فمن المهم توضيح سبب اختلاف العد، حتى لا يحدث التباس عند نقل المعلومة.

ما معنى القسم؟

القسم هو الحلف، والمقصود به في القرآن الكريم تأكيد أمر مهم وإزالة الشك عنه. فإذا أقسم الله سبحانه وتعالى على شيء، فهذا يدل على عظمته وأهميته، وعلى أن الأمر الذي جاء بعد القسم أمر محقق لا شك فيه.

والله سبحانه وتعالى له أن يقسم بما شاء من خلقه، لأنه الخالق والمالك، أما الإنسان فلا يجوز له أن يحلف بغير الله؛ لأن النبي ﷺ قال: «من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك».

ومن هنا ينبغي التفريق بين أمرين:
الله تعالى أقسم ببعض مخلوقاته، مثل قوله: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾، وقوله: ﴿وَالْفَجْرِ﴾، وقوله: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾، أما العبد فلا يجوز له أن يقسم بهذه الأشياء.

وقد بيّن أهل العلم أن أقسام القرآن بالمخلوقات فيها إشارة إلى عظمة هذه المخلوقات، وإلى ما فيها من الآيات الدالة على قدرة الخالق سبحانه.

المواضع التي أقسم الله فيها بنفسه

من أشهر ما ذكره علماء علوم القرآن أن القسم بالله تعالى ورد في سبعة مواضع، وهي ثلاثة مواضع أمر الله فيها نبيه ﷺ أن يقسم بالله، وأربعة مواضع أقسم الله فيها بنفسه مباشرة.

1- قوله تعالى: ﴿قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ﴾

قال الله تعالى:

﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا ۚ قُلْ بَلَىٰ وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ ۚ وَذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾
[التغابن: 7].

في هذه الآية أمر الله تعالى نبيه محمدًا ﷺ أن يقسم بربه على حقيقة البعث والنشور.

وكان المشركون ينكرون البعث بعد الموت، ويستبعدون أن تعود الأجساد بعد أن تصير ترابًا، فجاء القرآن بتأكيد الحقيقة، وأمر النبي ﷺ أن يقول: ﴿بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ﴾.

وهذا القسم يؤكد أن البعث حق، وأن الناس سيقفون بين يدي الله للحساب.

2- قوله تعالى: ﴿قُلْ بَلَىٰ وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾

قال تعالى:

﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ ۖ قُلْ بَلَىٰ وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ﴾
[سبأ: 3].

وهنا أيضًا أمر الله تعالى نبيه ﷺ بالقسم بربه على أن الساعة آتية لا محالة.

وهذا القسم يرسخ في قلب المؤمن حقيقة الآخرة، وأن الدنيا ليست نهاية المطاف، وأن كل إنسان سيقف يوم القيامة أمام الله تعالى.

3- قوله تعالى: ﴿قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ﴾

قال الله تعالى:

﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ ۖ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾
[يونس: 53].

سأل المشركون النبي ﷺ عن حقيقة ما يخبرهم به، فجاء الجواب الإلهي المؤكد: ﴿قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ﴾.

وكلمة «إي» تعني نعم، فجاء التأكيد مقرونًا بالقسم بالله سبحانه وتعالى.

وقد ذكر علماء علوم القرآن أن هذه الآيات الثلاث أمر الله فيها النبي ﷺ أن يقسم بربه، ولذلك تُذكر ضمن مواضع القسم بالله في القرآن.

4- قوله تعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ﴾

قال تعالى:

﴿فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا﴾
[مريم: 68].

هنا أقسم الله تعالى بربوبيته للنبي ﷺ، فقال: ﴿فَوَرَبِّكَ﴾.

والمقسم عليه هو أن الله سيحشر الكافرين والشياطين، ثم يحضرهم حول جهنم جاثين على ركبهم.

وهذه الآية تذكر الإنسان بحقيقة الحساب، وأن الظلم والكفر والعناد لن يضيع سدى، بل سيحاسب الإنسان على عمله.

5- قوله تعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾

قال الله تعالى:

﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ۝ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾
[الحجر: 92-93].

وهنا يقسم الله تعالى بربوبيته أنه سيسأل عباده عما كانوا يعملون.

وهذه الآية تحمل معنى عظيمًا، وهو أن حياة الإنسان ليست بلا حساب، وأن الأعمال والأقوال والمواقف كلها داخلة في مسؤولية الإنسان أمام ربه.

ولهذا ينبغي للمسلم أن يراقب الله في حياته، وألا يستهين بالذنوب، وألا يظن أن ما يفعله يذهب دون حساب.

 

6- قوله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾

قال سبحانه:

﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾
[النساء: 65].

وهذا من أعظم مواضع القسم في القرآن، فقد أقسم الله تعالى بربوبيته لنبيه ﷺ على أهمية التسليم لحكم الرسول ﷺ.

فالآية تبين أن الإيمان ليس مجرد كلام يقوله الإنسان، وإنما يظهر أثره في قبول الحق والتسليم له.

7- قوله تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ﴾

قال تعالى:

﴿فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ إِنَّا لَقَادِرُونَ ۝ عَلَىٰ أَنْ نُبَدِّلَ خَيْرًا مِنْهُمْ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾
[المعارج: 40-41].

وفي هذه الآية قسم برب المشارق والمغارب، أي بالله سبحانه وتعالى رب كل شيء ومالكه.

وهذا الموضع يلفت النظر إلى عظمة قدرة الله تعالى؛ فهو رب المشارق والمغارب، ورب الكون كله، ولا يعجزه شيء.

والموضع الثامن: ﴿فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ﴾

قال تعالى:

﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ ۝ فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ﴾
[الذاريات: 22-23].

وهذه الآية هي سبب وجود خلاف في عدد مواضع القسم بالله؛ فبعض كتب علوم القرآن تعدها ضمن المواضع التي أقسم الله فيها بنفسه، فيصبح العدد ثمانية مواضع، بينما بعض المصادر المشهورة تذكر العدد سبعة ولا تدرج هذه الآية ضمن العدد المذكور.

ولهذا فمن الأفضل عند نشر المعلومة أن يقال: المشهور عند بعض أهل علوم القرآن أنها سبعة مواضع، وقد عَدَّ بعض العلماء موضع الذاريات ثامنًا.

لماذا يقسم الله سبحانه وتعالى؟

قد يسأل الإنسان: إذا كان الله تعالى هو الحق، فلماذا يقسم؟

القسم في كلام الله ليس لأن الله يحتاج إلى إثبات صدقه لأحد، حاشاه سبحانه، فهو الصادق في كل ما يخبر به، وإنما يأتي القسم في القرآن لتأكيد الخبر وإظهار أهميته ولفت انتباه المخاطب إليه.

فعندما يقول الله تعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾، فإن القسم يلفت القلب إلى خطورة المسؤولية والحساب.

وعندما يقول: ﴿فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ﴾، يأتي القسم لتأكيد حقيقة ما أخبر الله به تأكيدًا بالغًا.

الفرق بين قسم الله وقسم الإنسان

من الأمور المهمة أن نعرف أن الله سبحانه وتعالى يقسم بما شاء من خلقه، لأن جميع المخلوقات ملك له وآيات على قدرته وعظمته.

أما الإنسان فقد نهى النبي ﷺ عن الحلف بغير الله.

فلا يجوز للمسلم أن يقول: "وحياة أبي"، أو "والنبي"، أو "والكعبة" على وجه الحلف، وإنما المشروع أن يحلف بالله تعالى عند الحاجة.

قال النبي ﷺ: «من كان حالفًا فليحلف بالله أو ليصمت».

وهذا يعلمنا تعظيم اسم الله تعالى وعدم الإكثار من الحلف في كلامنا من غير حاجة.

ماذا نتعلم من أقسام الله في القرآن؟

إن التأمل في مواضع القسم القرآني يجعل المسلم أكثر تدبرًا لكتاب الله. فكل قسم وراءه معنى عظيم، وكل موضع يوجه القلب إلى حقيقة مهمة.

فالقسم بالبعث يذكرنا بالآخرة، والقسم بالسؤال يذكرنا بالمسؤولية، والقسم برب السماء والأرض يذكرنا بعظمة الله وقدرته، والقسم المتعلق بالإيمان والتحكيم يذكرنا بضرورة التسليم لأمر الله ورسوله ﷺ.

ولهذا لا ينبغي أن نقرأ آيات القسم مجرد قراءة عابرة، وإنما نتوقف عندها ونسأل أنفسنا: ما الأمر الذي يريد الله أن يؤكده؟ ولماذا جاء القسم في هذا الموضع؟ وما أثر هذه الحقيقة في حياتي؟

الخلاصة

يمكن القول إن المشهور في كتب علوم القرآن أن الله عز وجل أقسم بنفسه في سبعة مواضع، منها ثلاثة مواضع أمر فيها نبيه ﷺ أن يقسم بربه، وهي: التغابن: 7، وسبأ: 3، ويونس: 53، وأربعة مواضع أقسم الله فيها بربوبيته مباشرة، وهي: مريم: 68، والحجر: 92، والنساء: 65، والمعارج: 40.

لكن هناك قولًا آخر يعد قوله تعالى في سورة الذاريات: ﴿فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ﴾ موضعًا ثامنًا، ولذلك قد تجد من يقول إن العدد سبعة، ومن يقول ثمانية.

والأهم من مجرد معرفة العدد هو أن ندرك عظمة القسم في القرآن، وأن نتدبر الأمور التي أقسم الله عليها؛ فهي من الحقائق الكبرى التي ينبغي أن تستقر في قلب المؤمن: البعث حق، والساعة آتية، والحساب واقع، وحكم الله حق، وقدرة الله لا يعجزها شيء.

فالقرآن الكريم ليس كتابًا نتلوه بألسنتنا فقط، بل كتاب هداية وتدبر، وكلما تدبر المسلم آياته ازداد يقينًا بالله تعالى وتعظيمًا لكلامه وإقبالًا على طاعته.

تم نسخ الرابط