من أول من جهر بالقرآن الكريم أمام قريش في مكة؟
## من أول من جهر بالقرآن الكريم أمام قريش في مكة؟
كان القرآن الكريم هو أعظم معجزة أنزلها الله تعالى على نبيه محمد ﷺ، وكان نزوله بداية مرحلة جديدة في تاريخ البشرية، فقد أخرج الله به الناس من ظلمات الجهل والشرك إلى نور التوحيد والإيمان. وقد واجه النبي ﷺ وأصحابه في بداية الدعوة الإسلامية أذى شديدًا من قريش، التي رأت في دعوة الإسلام خطرًا على معتقداتها ومكانتها وعاداتها. ومع ذلك، لم يمنع الخوفُ أصحابَ رسول الله ﷺ من نشر كلام الله، ومن أبرز المواقف الشجاعة في مكة موقف الصحابي الجليل **عبد الله بن مسعود رضي الله عنه**، الذي كان من أوائل من جهر بالقرآن الكريم أمام قريش.
### عبد الله بن مسعود رضي الله عنه
عبد الله بن مسعود رضي الله عنه من كبار أصحاب النبي ﷺ، ومن السابقين إلى الإسلام. كان من أوائل الذين أسلموا في مكة، وعُرف بقربه الشديد من رسول الله ﷺ، وبعلمه الواسع بالقرآن الكريم، حتى أصبح من أشهر قراء القرآن في عصر الصحابة.
وقد كان ابن مسعود رضي الله عنه من الصحابة الذين تحملوا الأذى في سبيل الله، ولم يكن من أصحاب القوة أو الحماية القبلية التي تمنع قريشًا من الاعتداء عليهم، ولذلك كان موقفه في الجهر بالقرآن أمام المشركين موقفًا عظيمًا يدل على قوة إيمانه وثباته.
### كيف جهر ابن مسعود بالقرآن أمام قريش؟
كان المسلمون في بداية الدعوة يجتمعون بعيدًا عن أعين قريش، وكان النبي ﷺ وأصحابه يتعاملون بحكمة وحذر بسبب شدة أذى المشركين. وكان الصحابة يتمنون أن يسمع أهل مكة القرآن الكريم جهارًا، وأن تصل كلمات الله إلى الناس دون خوف أو تردد.
وتذكر كتب السيرة أن الصحابة كانوا يومًا مجتمعين مع رسول الله ﷺ، فقالوا إن قريشًا لم تسمع القرآن يُتلى عليها جهرًا، وتمنوا أن يقوم رجل منهم فيقرأ القرآن على مسامعهم. فقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه إنه يستطيع القيام بذلك.
فقال له الصحابة، بمعنى ما ورد في الروايات: إنهم يخشون عليه من بطش قريش، لأن ابن مسعود لم يكن صاحب عشيرة قوية تحميه من المشركين، لكن ابن مسعود رضي الله عنه أصر على موقفه، وتوكل على الله تعالى.
ثم ذهب إلى المكان الذي تجتمع فيه قريش، وقام في **المقام** أو في مكان ظاهر من المسجد الحرام، ورفع صوته بتلاوة القرآن الكريم.
فكان أول من جهر بالقرآن أمام قريش من أصحاب رسول الله ﷺ، فسمعته قريش، وأدركت أن المسلمين لم يعودوا يريدون إخفاء دعوتهم.
### ماذا فعلت قريش؟
لم تتقبل قريش هذا الموقف، فقد كانت شديدة العداء للدعوة الإسلامية، ولم تكن تريد أن يسمع الناس القرآن الكريم. ولذلك هجموا على عبد الله بن مسعود رضي الله عنه وضربوه ضربًا شديدًا، حتى أثر ذلك في جسده.
ومع ذلك، لم يتراجع ابن مسعود عن موقفه، ولم يندم على أنه جهر بكلام الله. بل عاد إلى أصحابه، وكان أثر الضرب واضحًا عليه، فقال الصحابة له إنهم كانوا يخافون عليه من ذلك، لكنه أجابهم بما يدل على شجاعته وثباته، وأنه لم يجد شيئًا أهون عليه من ذلك في سبيل الله.
وكان هذا الموقف من المواقف التي سجلها التاريخ الإسلامي باعتزاز، لأنه يبين أن نشر القرآن لم يكن أمرًا سهلًا في مكة، بل كان يحتاج إلى الإيمان والصبر والشجاعة والتضحية.
### لماذا كان الجهر بالقرآن أمرًا عظيمًا؟
قد يتساءل البعض: لماذا كان مجرد تلاوة القرآن بصوت مرتفع أمام قريش سببًا في كل هذا الأذى؟
والجواب أن القرآن لم يكن مجرد كلام يسمعه الناس، بل كان يحمل دعوة صريحة إلى توحيد الله، وترك عبادة الأصنام، ورفض الشرك، وتصحيح الأخلاق والعقائد. وكانت قريش ترى في هذه الدعوة تغييرًا جذريًا لنظامها الديني والاجتماعي.
كان أهل مكة يعبدون الأصنام ويعظمونها، فجاء القرآن ليقرر أن العبادة حق لله وحده، وأن الأصنام لا تملك ضرًا ولا نفعًا. كما دعا القرآن إلى العدل والرحمة وترك الظلم وأكل أموال الناس بالباطل، وإكرام الضعفاء والمساكين، ولذلك شعرت قريش أن انتشار هذه الرسالة سيغير المجتمع الذي اعتادت عليه.
ومن هنا كان جهر ابن مسعود رضي الله عنه بالقرآن أمام قريش تحديًا للخوف، وإعلانًا أن المسلمين أصبحوا مستعدين لسماع الناس كلام الله مهما كان الثمن.
### شجاعة ابن مسعود رضي الله عنه
لم تكن شجاعة عبد الله بن مسعود رضي الله عنه شجاعة جسدية فقط، وإنما كانت شجاعة إيمان وثقة بالله. فقد كان يعلم أنه قد يتعرض للأذى، ومع ذلك تقدم.
والشجاعة الحقيقية ليست أن الإنسان لا يشعر بالخوف، وإنما أن يعرف الحق ويثبت عليه رغم الخوف. وهذا ما ظهر في موقف ابن مسعود رضي الله عنه.
لقد كان يستطيع أن يقول: إنني ضعيف، ولن أذهب إلى قريش حتى أحتمي بعشيرتي، لكنه اختار أن يقدم القرآن أمام الناس، ولم يجعل ضعف إمكاناته سببًا للتراجع عن الحق.
وهذه نقطة مهمة في حياة المسلم؛ فالدعوة إلى الخير لا تعتمد دائمًا على القوة أو المال أو المكانة الاجتماعية، وإنما تحتاج قبل كل شيء إلى صدق النية والثقة بالله تعالى.